ابن قيم الجوزية

391

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

حجة على التجريد ، فبان لي أن جميع ذلك كان مشوبا بحظي . وذلك : أن والدتي سألتني أن أستقي لها جرعة ماء . فثقل ذلك على نفسي . فعلمت أن مطاوعة نفسي في الحجّات كان بحظ نفسي وإرادتها . إذ لو كانت نفسي فانية لم يصعب عليها ما هو حق في الشرع . النوع الثالث : وقوف همته عند الخدمة . وذلك علامة ضعفها وقصورها . فإن العبد المحض لا تقف همته عند خدمة . بل همته أعلى من ذلك . إذ هي طالبة لرضى مخدومه . فهو دائما مستصغر خدمته له . ليس واقفا عندها . والقناعة تحمد من صاحبها إلا في هذا الموضع . فإنها عين الحرمان . فالمحب لا يقنع بشيء دون محبوبه . فوقوف همة العبد مع خدمته وأجرتها : سقوط فيها وحرمان . * * * قال : « الدرجة الثانية : تهذيب الحال . وهو أن لا يجنح الحال إلى علم ، ولا يخضع لرسم ، ولا يلتفت إلى حظ » . أما « جنوح الحال إلى العلم » فهو نوعان : ممدوح ، ومذموم . فالممدوح : التفاته إليه ، وإصغاؤه إلى ما يأمر به ، وتحكيمه عليه . فمتى لم يجنح إليه هذا الجنوح كان حالا مذموما . ناقصا مبعدا عن اللّه . فإن كل حال لا يصحبه علم : يخاف عليه أن يكون من خدع الشيطان . وهذا القدر هو الذي أفسد على أرباب الأحوال أحوالهم ، وعلى أهل الثغور ثغورهم . وشردهم عن اللّه كل مشرد . وطردهم عنه كل مطرد . حيث لم يحكموا عليه العلم ، وأعرضوا عنه صفحا ، حتى قادهم إلى الانسلاخ من حقائق الإيمان ، وشرائع الإسلام . وهم الذين قال فيهم سيد الطائفة الجنيد بن محمد - لما قيل له : أهل المعرفة يصلون إلى ترك الحركات من باب البر والتقرب إلى اللّه - فقال الجنيد : إن هذا كلام قوم تكلموا بإسقاط الأعمال عن الجوارح . وهو عندي عظيمة . والذي يزني ويسرق أحسن حالا من الذي يقول هذا . فإن العارفين باللّه أخذوا الأعمال عن اللّه . وإليه رجعوا فيها . ولو بقيت ألف عام لم أنقص من أعمال البر ذرة ، إلا أن يحال بي دونها . وقال : الطرق كلها مسدودة على الخلق ، إلا على من اقتفى أثر الرسول صلى اللّه عليه وسلم . وقال : من لم يحفظ القرآن ، ويكتب الحديث : لا يقتدى به في طريقنا هذا . لأن طريقنا وعلمنا مقيد بالكتاب والسنة . وقال : علمنا هذا مشيد بحديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . والبلية التي عرضت لهؤلاء : أن أحكام العلم تتعلق بالعلم وتدعو إليه . وأحكام الحال تتعلق بالكشف . وصاحب الحال ترد عليه أمور ليست في طور العلم . فإن أقام عليها ميزان العلم ومعياره ، تعارض عنده العلم والحال . فلم يجد بدا من الحكم على أحدهما بالإبطال . فمن حصلت له أحوال الكشف ، ثم جنح إلى أحكام العلم . فقد رجع القهقرى ، وتأخر في سيره إلى وراء . فتأمل هذا الوارد ، وهذه الشبهة التي هي سمّ ناقع : تخرج صاحبها من المعرفة والدين . كإخراج الشعرة من العجين .